الغزي

14

نهر الذهب في تاريخ حلب

خزائن الغرب في هذا الموضوع . وكان الرجل متسامحا أشد التسامح ، يأخذ عن المصادر المختلفة ، من أي جهة كانت » . أما أسلوب المؤلف في كتابه فإنه سهل واضح ، وبعيد عن الصنعة والتأنق ، وتلك سمات النثر التأليفي الذي يتناول به صاحبه موضوعات اجتماعية وتاريخية وعمرانية وما إليها ، وربما وجدنا في الكتاب أحيانا فقرات تبدو عليها مسحة فنية من التأنق ، وغلالة رقيقة من الصنعة ، وهذا ظاهر في مقدمات أجزاء الكتاب ، أو في نصوص وقفية طلب من الغزي إنشاؤها في مناسبات خاصة ، فيأتي أسلوبه فيها على طريقة كتاب عصره آنذاك . وظاهرة أخرى نجدها في كتاب الغزي ، تلك أنه يترخّص في بعض التعابير أحيانا ، وقد يتساهل في الالتزام بقواعد اللغة والرسم ( الإملاء ) ولا سيما كتابة الهمزة في وسط الكلمة ، وربما تصرّف في بعض النصوص التي ينقلها . عرفنا ذلك من مقابلة تلك النصوص بأصولها القديمة التي لم يكن لها في عصره إلا طبعة وحيدة . وهو تساهل مألوف لدى كثير من المؤلفين ، ولا سيما المتأخرين منهم . والحق أن كتاب « نهر الذهب » ذو قيمة كبيرة ، ويتجلّى فيه الجهد الوافر ، والعمل الشخصي ، والابتكار الظاهر ، مع تخير وانتقاء ، ونقد وتمحيص ، دون أن يكتفي صاحبه بالجمع من المصادر وحدها ، ولا غنى عنه لكل باحث أو دارس في تاريخ حلب خاصة ، وسورية الشمالية عامة ، ولا يغني عنه غيره ، على الرغم من كثرة ما ألف عن حلب ، كتبه عالم جليل سعى جهده ليكون كتابه شاملا لأحوال حلب في شتى المجالات والعصور ، فجاء مرجعا مهما لكل من يريد الإحاطة بتاريخ حلب السياسي ، والاقتصادي ، والاجتماعي ، والفكري ، وما فيها من الآثار والأوابد ، وما طرأ عليها من تطور حتى الربع الأول من القرن العشرين . ولا شك أن مدينة حلب ومختلف مرافق الحياة فيها قد تبدلت اليوم وتطورت كثيرا عما كانت عليه في زمن الغزي ، بعد مرور سبعة عقود من السنين ، وهذا كله يقتضي تأليف كتاب آخر ينهض بما استجدّ من ألوان الحياة والعادات والعمران والثقافة والاقتصاد والزراعة وما إلى ذلك . وكان بودنا أن نضيف ذلك في تعليقاتنا على الكتاب ، ولكننا وجدنا في ذلك إثقالا وإملالا للقارئ ، وتضخيما لحجم الكتاب بما لا مسوّغ له . فاكتفينا بما هو ضروري من تلك